قصة قصيرة

أزرق وزهري – قصة قصيرة


لم يكن جمال مهيأً بعد للمفاجأة التي تنتظره عند طبيب الأشعة، توجه إليه في موعده المقرر وهوعلى يقين بأنه قد وقع في فخ “التجارة” التي يمتهنها الأطباء مؤخرًا، وبأن حالته لا تستدعي كل تلك الفحوصات والأشعة خلال الأسبوعين المنصرمين؛ ولكنه قرر أن يستمر معهم حتى النهاية لمعرفة تشخيص حالته التي –ولا بد- ما هي إلا مجرد خراج ناتج عن دمالة ما ظهرت تحت الجلد جهة ثديه الأيمن، وصادف أن كان موقع هذه الدمالة بداخل الحلمة بالضبط كي تنزف الدم بهذه الصورة، لم يكن هناك ما يشغله، فقد تقاعد منذ عامين، ترمل منذ عام، أولاده وبناته بين منشغل بأسرته وبين منشغل بدراسته فلا يشعر بوجودهم ولا هم يشعرون بوجوده، في حالات كهذه تبدو زيارات الأطباء فرصة لتبادل الأحاديث مع من يملك منهم رحابة الصدر، فرصة لتفريغ كل ذلك الكم الهائل من الشكاوى التي تبدو عضوية في الظاهر؛ ولكن منبعها من الأساس نفسي بحت.
– ما الذي تقوله يا دكتور!؟
سأل سؤاله وابتسامة ساخرة بدت على شفتيه، لم يعرف بماذا يبدأ تساؤله، هل يسأل عن حقيقة أنه مصاب بالسرطان؟ أم يسأل عن حقيقة كونه مصاب بسرطان الثدي تحديدًا؟
وكأن الطبيب كان في انتظار حالة الدهشة هذه البادية على وجه جمال المتجعد:

– سرطان الثدي يا سيد جمال يصيب الرجال أيضًا، ولكن بنسبة ضئيلة جدا؛ تقريبًا واحد من بين 100 حالة سرطان للرجال هي من هذا النوع، لهذا يقل الوعي بأعراضه وطرق الكشف المبكر عنه، يبدو أن تاريخ الأسرة كما أخبرتني سابقًا حافل بهذا النوع من الأورام، ربما لم يصب الإناث فقط كما ذكرت لي، أو ربما كنت أنت الحالة الذكورية الأولى في أسرتك!

الطبيب يشرح بتوسع، يتحدث عن نسب مئوية، عن مراحل المرض والتي اتضح من خلال الفحص الذي أجري له أنه في المرحلة الثانية منها، يتحدث عن طرق العلاج، على الأرجح سيتم علاج جمال على مرحلتين، تحدث عن مرحلة الجراحة التي سيتم فيها استئصاله ما أمكن، ثم مرحلة العلاج الهرموني، تحدث طويلا وجمال يصغي إليه بفم فاغر وقلب قد استقر في معدته.
– هل لديك أية أسئلة يا سيد جمال؟
– …………..
– سيد جمال يجب أن تكون مؤمنًا بإرادة الله، ومؤمنًا بأن لكل منا ساعة سيُوفى فيها أجله، سواء كان صحيحًا أو عليلا
– …………..
– دعني أبشرك بأن استجابة الرجال للعلاج الهرموني أعلى منها لدى النساء! أنا لا أخبرك بهذا تلفيقًا أو لمجرد طمأنتك! هذه معلومة علمية مؤكدة ولها ما يفسرها!
– ماذا سأقول لأولادي؟ أني مصاب بسرطان الثدي!؟
قالها جمال وكل تعابير الإشمئزاز التي عرفتها البشرية بادية على محياه، حتى أن كل تجاعيد وتغضنات وجهه بدت وكأنها منحوتة نحتًا عليه
– ليس في الأمر ما هو مخجل سيد جمال! عليك أن تفكر في مرحلة علاجك القادمة لا في ما يسببه الأمر من إحراج تتوهمه!

صرف عينه عن الطبيب، وظل حاجباه المنعقدين الكثيفين يخفيان خلفهما محجري عينيه، حيث تجمعت بركتين من المياه شديدة الملوحة، لم يعرف أيهما سبب كل هذا الحزن؛ أنه مريض بالسرطان، ام أنه مريض بسرطان الثدي الذي لطالما توجهت إعلاناته التوعوية نحو نون النسوة!
مشى بخطوات مترددة نحو الباب، وقبل أن يدفع بمقبضه للداخل التفت نحو الطبيب:
– إن كان يصيب الرجال أيضًا؛ إذًا لماذا اللون الزهري؟

Advertisements
مذكراتي

أدب الأظافر الطويلة


شعرتُ بالإهانة اول مرة سمعتُ فيها بهذا المصطلح الذي أُطلِقَ على كل أدب تكتبه النساء في أواخر القرن الماضي، و شعوري بالمهانة لم يكن بسبب قصر أظافري وجفافها وتشققها غالبا إثر تقطيع الخضروات او اللحوم، ولكنه كان بسبب الدلالات التي ارتأيتها من وراء اختيار هذا المصطلح، وانتابتني مشاعر عداء تجاه ذلك المجهول الذي كانت له براءة اختراع هذا اللقب. Continue reading “أدب الأظافر الطويلة”

قصة قصيرة

سور المقبرة – قصة قصيرة


كانا يلتقيان كل ليلة عند نفس الركن المهمل من سور المقبرة، ذلك الركن الذي لا يمر بجانبه أحد نهارا لعدم وجود رصيف، قد تُركن بجواره إحدى السيارات، تلتصق به فينزل السائق من الجهة الأخرى، كثر لا يعلمون أنه امتداد لسور المقبرة التي تفتح بوابتها في شارع رئيسي من شوارع هذه المدينة المتخمة بالأحياء والأموات.

اما ليلاً، فقد كان ذلك الركن هو خاصتهما، رفيقان، جمعتهما “شيشة” بوخة، ولفة “حشيشة”، كانا يعتبران نفسيهما أهون المذنبين، بررا لنفسيهما بأن “البوخة” مجرد شراب تراثي، استشهد المثقف بينهما بأن يهود المدينة يوما ما كانوا متخصصين في صناعته منذ عهد القرامنلية، أما الحشيش فما هو إلا أحد أنواع حشوات السجائر، بل إنه أصل السجائر، هذا ما أكده الآخر الذي اشتهر بفلسفته التي تفتقر إلى المصادر العلمية! Continue reading “سور المقبرة – قصة قصيرة”