مقالات

صراصير زمن الطوابير


كم تشفَّيْنا من الصرصور الذي بقي طيلة الصيف يلعب ويغني دون أن يلقِ بالا لنصيحة صديقته النملة، التي جدَّت في كسب قوتها وتخزينه تحسبًا لبرد الشتاء، قلنا: “يستاهل”! حين عرفنا بقية القصة، أنه ظل يطرق أبواب الحشرات الأخرى باحثًا عن مكان يؤويه ولقمة تقويه، بعضنا غضب على النملة التي أشفقتْ عليه، ثم شعرنا بقليل من الرضا حين أخبرونا بأنه تعلم الدرس في الصيف التالي، كذبوا علينا، فالصراصير لا تتعلم.

بعضنا اختار أن يكون النملة منذ طفولته، وبعضنا اختار أن يكون صرصورًا، لا صرصور الحقول اللطيف الذي يكتفي بعزف مقطوعاته الموسيقية، بل صرصور مدينة تشمئز منه الأنفس، راهنَّا على المستقبل، فانتصر الصرصور، وماتت النملة واقفة في الطابور! لم يخبرنا أحد بأنه سيأتي زمان لا يكون للاجتهاد فيه معنى، إنه الزمن الذي تكثر فيه الطوابير، وتحول بين النملة وقوتها الصراصير.

إن كنت نملة فأنت بالتأكيد تعرفهم صرصورًا صرصورًا، وإن لم تتعرف عليهم فاحذر أن تكون أنت من بينهم، أو ربما علينا أن نهنئك على ذلك بدل تحذيرك!

يبدؤون جميعهم كصراصير صغيرة لا تثير الخوف، إنهم صراصير الامتحانات! لديهم قدرة عجيبة على التقاط الإجابات الصحيحة بواسطة شواربهم الطويلة، فينالون العُلا دون سهر الليالي يدرسون كحال النملات المسكينة، ثم ينالون شهادات التخرج، ويتحولون إلى إحدى الصور الصرصورية التالية:

-صرصور البنك المجنح، يلعنك ويلعن آباؤك وأجدادك لأن وقفتك في الطابور لم تعجبه، يعطيك أجرك الذي تعبتَ لأجله بمنة وكأنه يعطيك من حُرّ ماله، إذا عبرت عن غضبك سيطردك من رحمته، أي من الطابور اللانهائي، ولن تجرؤ على الرجوع؛ لأنه صرصور مسلح ذو أجنحة.

-صرصور البنك المرتشي، يجلس بداخل البنك، وغالبًا ينتقل بكوب قهوته بين مكتب وآخر دون هدف واضح، تاركًأ النملات واقفة في الطابور تستجدي قوتها، هذا صرصور يعجز عن إعطائك أجرك الكامل إلا إن منحته رشوة، فينتعش ضميره ويسمح له بتجاوز القانون الصرصوري، وببعض العلاقات الطيبة التي تربطه بالصرصور أعلاه توهب قوتك المحتجز لديهم.

-صرصور الدولار مجهول الهوية، هذا يعشق التلاعب بقلوب النملات، فتارة يرفع من قيمة قوتها المخزن، تارة يضرب به عرض الحائط، نحن نسمع قهقهته بين الحين والآخر، ولكننا لا نعرف بعد أين يختبئ؟ وما صلة قرابته بالتحديد مع الصرصورين السابقين؟

-صرصور التجارة، الذي يتاجر بدمائك وكأن هناك صلة قرابة بينه وبين الباعوضة، فيبيعك الحليب مثلا صباحًا بمكسب 50%، ثم يبيعك إياه مساءً بمكسب 100%، متجاهلا أنك نفس النملة التي مرتْ عليه صباحًا! وبأن علب الحليب المرصوصة على الأرفف صباحًا هي ذاتها بقيتْ إلى المساء حتى غطاها الغبار.

-سابق الذكر لديه صلة قرابة بصرصور البطاقات المصرفية، الذي يجلدك كلما استعملت بطاقتك لديه، فيضاعف لك في السعر، مدعيًا بأن هذا حق تعبه، مسبوق الدفع! ومنذ متى كانت الصراصير تتعب أو تعرف طعم الشقاء؟!

-عصابة الصراصير، مختصين في ابتزاز النمل بخطف أقاربهم، ومن ثم الاستيلاء على أي مؤونة تعبتْ تلك النملات في تجميعها ثم ضحتْ بها لسلامة المخطوفين، دون أن يضمن أحد سلامتهم حقًّا حتى وإن تم الرضوخ لابتزازهم!

-وأخيرًا وليس آخرًا؛ صراصير المال العام، ظنناهم نمل مثلنا يومًا ما، ثم كشفتْ البيئة الملوثة عن حقيقة معادنهم، هؤلاء يرتدون البزات باهظة الأثمان، يسافرون على الدرجة الأولى، يقيمون في أبهى الفنادق وأكثرها رقيًّا وسعرًا، يدعون أنهم مسخرون لخدمتك ولاتخاذ القرارات الصائبة نيابة عنك، ولكنهم لا يشعرون بمأساة طوابير النمل فهم لا يعرفون معنى كلمة طابور، ولا يجتمعون على رأي فيه مصلحة شعب النمل المسكين، في الواقع؛ هم لا يجتمعون على رأي إلا إن كانت نتيجته تصب فقط في صالح مجتمع الصراصير آنفة الذكر، سترتبك حين تريد التعرف إلى “كبيرهم”، فهم كُثر، ولكن إن دققت في اسمه فستعرفه فورًا، فهو “كبيرهم”!

أولئك هم الصراصير الكبار، الذين كنا نشفق عليهم في طفولتنا ونحن نتخيل مستقبلهم البارد التعيس، فإذا بهم يترأسوننا، يتحكمون في مصائر مجتمع النمل، ويأكلون بشهية نهمة ما شقيتْ لأجله النملات مواسم طويلة، يستمدون قواهم من البيئة العفنة الملوثة التي تحولتْ إليها قرية النمل الصغيرة.

إن كنت نملة فأنت بالتأكيد تعرف كل ما أتحدث عنه، قد تنتابك رغبة سرية في أن تتحول إلى صرصور أنت أيضًا وقد أنهكك حمل خمسة أضعاف وزنك يوميًّا دون أن تنال أجرك، ولكن قدِّر للنملة أن تبقى نملة، وللصرصور أن يبقى صرصورًا، ولا تغتر بمظهرهم الغليظ، والتماع قشرتهم، فالقذارة فقط ما يأكلون، والرائحة النتنة يتنفسون، وحين يأتي أجلهم؛ في قبور النمل يتحللون.

Advertisements

2 thoughts on “صراصير زمن الطوابير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s