غير مصنف

كرون.. صديقي اللدود


40071488_947316092141657_3513344296793145344_n
مسكونة به مذ كنت في السادسة عشر، ولكني لم أكتشف ذلك إلا في الثانية والعشرين، عانيت كثيرًا من نوبات جنونه، كرهته في البداية، ثم تقبلته بكل مساوئه، حاولتُ تفهمه والتقرب إليه، بتُّ أتجنب ما يثير هلعه كي لا يعاقبني، أمشي فوق حزني وغضبي على أطراف أصابعي خوفًا من إيقاظه، لا، هو ليس عفريتا من الجن؛ إنه صديقي اللدود؛ كرون.

يقول الأطباء عنه أنه مرض التهابيّ في الأمعاء، وهذا التعريف الذي اعتمدته في شرح حالتي، كففتُ عن ذكر اسمه نظرًا لجهل الناس به، وبتُّ أخبر من يستفهم عن حالتي بأني “مريضة بالتهاب مزمن في الأمعاء”؛ نعم إنه التهابات مزمنة، أسباب الإصابة به غير واضحة بعد، كذلك أسباب نشاطه، يرجح البعض أنه ينشط بسبب أنواع معينة من الطعام، ويرجح البعض الآخر أن لنشاطه علاقة وطيدة بالضغط النفسي الذي يتعرض إليه صاحبه، وأنا أؤيد الرأي الثاني من تجربتي الخاصة، وبعد أن ملأت كراسة كاملة بالطعام الذي أتناوله يوميا في محاولة مني لاكتشاف النوع الذي يسبب في هيجانه دون جدوى، في الوقت الذي ارتبط فيه ظهوره الأول، وفترات نشاطه اللاحقة بظروف قاسية وأنفاق مظلمة عبرتُ عبرها في حياتي.

طبيًّا، يعتبر كرون مرضًا من أمراض الجهاز الهضمي، تتشابه أعراضه مع أعراض أمراض أخرى؛ لهذا لا يتم تشخيصه النهائي إلا بعد إجراء منظار علوي وسفلي وأخذ عينة من المناطق المتقرحة، هو ليس فيروسا أو بكتيريا تهاجم الجسم، هو جسمك حين يقرر أن يهاجم نفسه، فتظهر التقرحات في أي بقعة من جهازك الهضمي، بدءًا من الفم، وانتهاء بآخر نقطة تمر عبرها الفضلات، ولديه أركان مفضلة شائعة متكررة يفضلها في معظم الحالات، كنهاية الأمعاء الغليظة، أو منتصفها، أو في المنطقة الرابطة بين الأمعاء الغليظة والدقيقة، هناك حيث الزائدة الدودية!
بالإضافة إلى آلام تقلصات المعدة والأمعاء، ترافقه أعراض أخرى، أشهرها التعب العام والشعور بالإجهاد، إسهال شديد، نقصان الوزن وفقدان الشهية، آلام في المفاصل، تقرحات تظهر في عدة أماكن على الجلد، والناسور، وهذا الأخير عبارة عن أنبوب يتكون داخل جسدك، يصل بين الأمعاء والجلد، حيث تبدأ الفضلات في الخروج عبره مسببة آلام شديدة ورائحة كريهة، تلك الأعراض هي ما عانيته على مر ثمانية سنوات قبل إجراء عملية للتخلص من ذلك الجزء المصاب من أمعائي.

بإمكان المهتم معرفة المزيد عنه بالبحث عبر الإنترنت، أما أنا فسأكتفي بهذا القدر من تعريفه للقارئ علميًّا، لأني أريد الحديث عن “كروني” الخاص بي، الذي تحول إلى صديق شديد الخصومة معي؛ بالنسبة لي، أتخيله كائن صغير أزرق -لا يسألني أحد لماذا الأزرق فأنا لا أدري-، ليست له ملامح على وجهه؛ ولكنه -رغم صغره- شقي يعذبني بقرصي دون رحمة في باطن معدتي وأمعائي، كلما تجاهلت وجوده وأهملت نفسي وانجرفت وراء عصبيتي المفرطة، أو حزني المبالغ به، ينبغي لي أن أصفه بالعدو إذًا، لماذا اخترت أن أسبغ عليه لقب الصديق؟
هو صديقي لأنه علمني حقيقة أن مجتمعنا ينبذ المصابات بالأمراض المزمنة، ولو كنت من النوع الذي يتزوج بالطريقة التقليدية لكنت عازبة، فالأمهات لا يحبذن تزويج أبنائهن بنساء يعانين من أمراض لا شفاء منها، حتى وإن كُنّ أو كان أبناؤهن مصابين بأحد تلك الأمراض، كرون -إذًا- كان دليل محبة ذاك الرجل -الذي صار زوجي- حين تجاهل وجود كرون في حياتنا.

كرون صديقي لأنه علمني أن أعتني بنفسي، صحيح أني أنسى هذا الأمر كثيرًا، وصحيح أن أسلوبه في تذكيري قاسٍ جدا! فأنا -أعترف- أني من النوع الذي لا ينفع معه إلا أسلوب الترهيب، للأسف الشديد! وهو يعلم ذلك جيدًا.

علمني أيضًا أن عنايتي بنفسي ليست لأجلي فقط، بل لأجل الذين يحبونني وتؤذيهم مشاهدتي أتألم، أبويّ وإخوتي، وحاليًّا أبنائي وزوجي، فصحتي ليستْ شأنًا خاصًّا بي.
وقبل كل ذلك، علّمني أن تلك الترهات التي تثير غيظي وحنقي وغضبي العارم، لا تستحق غرامًا واحدًا من كل تلك العقاقير التي أجبرني صديقي اللدود هذا على تناولها، تلك الترهات التي يعاقبني إن نسيت أنها كذلك، تلك التي أيقظته مؤخرًا حين انتقلتُ إلى بيئة عمل جديدة لا تلائمني، نسيت وجوده، فأرسل لي بإشاراته التحذيرية، نسيت كل ما مررت به، وصرت أمني نفسي بأن يكون ما أشعر به حاليا مجرد رسائل تحذير من قبله لا جولة أخرى من جولات عقاباته القاسية!

شكرا “كرون” لتذكيري بكل ذلك مرارا وتكرارا عبر السنوات الثمانية عشر الماضية، أتمنى فقط أن تخفف من حدة خصومتك لي حين أنجرف وراء عصياني لك.

Advertisements

2 thoughts on “كرون.. صديقي اللدود

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s